أجتماع اليهود في فلسطين ـ من علامات قرب قيام الساعة


صورة لبعض المهاجرين الأوائل من اليهود

أرسل الله سبحانه وتعالى رسله إلى بني إسرائيل منذرين ومبشرين وأمرهم بأتباعهم فما كان ردهم إلا الصد عنهم والكفر بدينهم وتحريف كلام الله ومحاربة رسله وجدالهم قتلهم.
قال الله تعالى:(مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً)[النساء : 46].
قال الله تعالى:(فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقًّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً )[النساء : 155].
فكان مصيرهم أن لعنهم الله وغضب عليهم وسلط عليهم من يذيقهم أشد العذاب فسلط عليهم الرومان ومن بعدهم البابليين بقيادة بختنصر فخربوا ديارهم وشردوهم في الآفاق.
قال الله تعالى :( وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَماً مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ )[الأعراف : 168].
ولكن الله سبحانه وتعالى أخبرنا في كتابه العزيز أن من علامات قرب قيام الساعة اجتماعهم في فلسطين بعد التشريد قال الله تعالى:(وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً) (الإسراء:104).
وكلمة لفيف تعني الشيء المجتمع والملتف من كل مكان و اللفيف؛ القوم يجتمعون من قبائل شتى ليس أصلهم واحدا، واللفيف ما اجتمع من الناس من قبائل شتى، واللفيف الجَمْع العظيم من أخلاط شتى فيهم الشريف والدنيء والمطيع والعاصي والقوي والضعيف[لسان العرب].
ولقد تحقق ما أخبر به الله سبحانه في القرآن الكريم وإليكم كيف بدأت هجرات اليهود واجتماعهم في فلسطين.
كانت الموجة الأولى بين عامي [ 1299 هـ - 1882 م ] و[ 1321 هـ - 1903م]، وكان عدد المهاجرين خلال هذه المدة نحو ( 28 ) ألف يهودي، وتعدُّ هذه الموجة بمثابة النواة التي قامت عليها حركات الاستيطان فيما بعد، وقد حظي هؤلاء المهاجرين بدعم ومساعدات من الجمعيات اليهودية في "أوربا" و"الجمعية اليهودية للاستعمار "في "فلسطين"، وخلال ( 20) عامًا تمكّن هؤلاء اليهود المهاجرين من بناء ( 22 ) مستوطنة.
أما الموجة الثانية فكانت بين عامي [ 1322 هـ - 1904 م ] و[ 1332 هـ - 1914 م] وبلغ عدد المهاجرين خلال تلك الفترة نحو ( 40 ) ألف مهاجر، كان معظمهم من اليهود الروس، ومن بين هؤلاء خرج الجيل الأول من قادة الصهاينة مثل: "ديفيد بن جوريون" و"ليفي أشكول" و"حاييم وايزمان" و"إسحق بن زفي"، وخلال هذه الحقبة تمكن هؤلاء المهاجرين من بناء ( 59 ) مستوطنة.
وبعد اندلاع " الحرب العالمية الأولى" سنة [1332 هـ = 1914 م] بدأ اهتمام "بريطانيا" بفلسطين وبموضوع الاستيطان اليهودي يتزايد، ولذلك فقد طلب "هربرت صمويل"ـ وهو يهودي في الحكومة البريطانية ـ من وزير خارجية "بريطانيا" بحث إقامة دولة يهودية في "فلسطين" بمساعدة "بريطانيا" و"الولايات المتحدة الأمريكية"، فبعث "صمويل" بمذكرة اقترح فيها إقامة محمية بريطانية في "فلسطين" يسمح لليهود بالهجرة إليها على أن يتمتع هؤلاء اليهود بحكم ذاتي في "فلسطين"، ثُمَّ تطور الأمر ـ بعد ذلك ـ لتصبح دولة موالية لبريطانيا، وفي أواخر سنة [ 1334 هـ = 1916 م ]، قامت "المنظمة الصهيونية" بإرسال مذكرة إلى الحكومة البريطانية تطالب فيها بإنشاء دولة قومية لليهود في "فلسطين"، نظير خدمات جليلة سوف تقدمها لها بعد ذلك، فاستجابت "بريطانيا" وسعت إلى إصدار "وعد بلفور" بعد أن وجدت أن إنشاء تلك الدولة يحقق أهداف "بريطانيا" ويرعى مصالحها في المنطقة، ويمكنها من بسط نفوذها على "فلسطين" والتحكم في "قناة السويس" وتأمينها من الشرق، مما يعزز من موقفها ويحكم قبضتها على البلاد العربية التي استعمرتها.
وفي [ 4 من المحرم 1336هـ = 20 من أكتوبر 1917م ] اقتحمت القوات البريطانية "فلسطين" في الوقت الذي أصدر وزير الخارجية البريطاني "آرثر بلفور" وعده الشهير الذي يمنح اليهود بموجبه الحق في إنشاء وطن قومي لهم في "فلسطين"، وكان ذلك أول اعتراف دولي بالصهيونية وبمشاريعها الاستيطانية، ومع ما قدمه هذا الوعد من امتيازات بالغة للصهاينة، فقد تجاهل تمامًا العرب أصحاب تلك الأرض التي منحتها "بريطانيا" لليهود.
وفي ظل الرعاية البريطانية للصهاينة وتأييدها المحموم للاستيطان اليهودي في "فلسطين"، تضاعف عدد المهاجرين من اليهود إلى "فلسطين" بعد هذا الوعد، من ( 55 ) ألفًا بعد "الحرب العالمية الأولى" ليصبح ( 108 ) آلاف في عام [ 1344 هـ = 1925 م ]، ثُمَّ قفز إلى (300) ألف في عام [ 1354 هـ = 1935 م ]،ليصبح ( 650 ) ألفًا في عام [ 1367 هـ = 1948 م ].

صورة قديمة لطلائع المهاجرين اليهود إلى فلسطين

لم يكن وقوف "بريطانيا" إلى جانب الصهاينة وتشجيعهم على إنشاء دولة لهم في "فلسطين" مجرد تأييد أو حتى انحياز مطلق، وإنما هو جزء من مخطط استعماري ضخم يهدف إلى استمرار احتلال البلاد الإسلامية واستنزاف ثرواتها، وهو ما عبَّر عنه "تشرشل" في مذكراته. حين قال: " إذا أُتِيحَ لنا أن نشهد مولد دولة يهودية لا في فلسطين وحدها بل على ضفتي الأردن معًا تقوم تحت التاج البريطاني؛ فإننا سوف نشهد وقوع حادث يتفق تمام الاتفاق مع أهداف واستمرارية الامبراطورية البريطانية".
ثم جاء قرار تقسيم "فلسطين" الذي أصدرته "الجمعية العامة للأمم المتحدة" سنة [1366هـ = 1947 م ] مُحبطًا ومُخيِّبًا لآمال الشعوب العربية التي كانت تتطلع إلى عدالة تلك المؤسسة الدولية أو حتى حيادها، فقد كشف بجلاء عن ازدواجية المعايير التي تضبط أحكام وقرارات تلك المؤسسة، وعن خضوعها لنفوذ الدول الكبرى، واستسلامها لإرادة تلك الدول ومصالحها.
وقد شجع ذلك المزيد من اليهود على الهجرة إلى "فلسطين"، وتزايدت الهجرات بشكل ملحوظ في أعقاب النكبة العربية سنة [ 1367 هـ = 1948 م ] بعد الهزيمة المريرة التي لحقت بالجيوش العربية على أرض "فلسطين" نتيجة العمالة والخيانة من جانب ونقص الكفاءة والإمكانات والتدريب من جانب آخر.
وقد أصبحت الهجرات إلى "فلسطين" سهلة نظرًا لتردِّي الأوضاع العربية، وتزايد عدد المستوطنات التي أُقِيمت في الفترة بين عامي [ 1367 هـ = 1948 م ] و [ 1372 هـ = 1953 م ] لتبلغ ( 370 ) مستوطنة، وخلال الفترة من عام [ 1367 هـ = 1948 م ] إلى عام [ 1387 هـ = 1967 م ] تحولت أكثر من ( 400 ) قرية فلسطينية إلى مستوطنات ومستعمرات إسرائيلية بعد أن تَمَّ طرد سكانها منها.
وطوال تلك السنوات لم يقف أبناء "فلسطين" مكتوفي الأيدي أمام هذا الغزو والاستيطان الصهيوني، فقد تصدّوا لتلك الهجرات، وقاوموها بكل السبل، وبرغم الحصار الصهيوني والبريطاني لأبناء "فلسطين" وسياسات التجويع والبطش والإبعاد، فإن حركة المقاومة لم تتوقف يومًا على أرض "فلسطين" ولم تخبُ نيران الغضب الفلسطيني ساعة، فقد تصدوا لموجات الاستيطان وعمليات التهويد ومحو الهوية لتلك الأرض العربية بكل ما يملكون من قوة وشجاعة وإيمان قوي، وقدموا آلاف الشهداء الذين سطروا بدمائهم ملحمة البطولة والصمود.
وجه الإعجاز:
إخبار الله تعالى باجتماع اليهود في فلسطين وهذا الحدث ما كان لأحد أن يتخيله في أيام النبي صلى الله عليه وسلم لما كان عليه حالهم من ضعف وذل ولكن تحقق ليكون هذا دليلاً واضحاً من آلاف الأدلة على أن هذا القرآن هو منزل من عالم الغيب الله سبحانه وتعالى.

وصايا آل عمران.. ومجزرة غزة


{ هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138)}

إعداد الأستاذ هشام طلبة

كتاب مصري متخصص في الإعجاز الغيبي في القرآن

الوصية الأولى

تمهيد:

* من إعجاز القرآن الكريم أن يخاطبنا في كل زمان، وكأنما قد نزل في هذا الزمان، وعايش أحداثه حال وقوعها.من ذلك يرى المتدبر أن ما حدث من عدوان غاشم من اليهود على إخواننا في غزة مطلع عام 2009م، وما سبقه وصاحبه من أحداث، كأنما يحدثنا عنه القرآن الكريم في عدة سور؛ كالبقرة والنساء والمائدة والأنفال والتوبة والحشر، لكن السورة الأكثر وضوحًا في هذا الأمر هي سورة آل عمران، كما سنرى في هذا العمل.

* وقد أشار إلى صلة أحداث غزة بسورة آل عمران وغزوة أُحُد غير عالم من علماء المسلمين؛ كالدكتور عبد الحي الفرماوي(1) والدكتور جمال المراكبي؛ الرئيس العام لجماعة أنصار السنة في مصر(2).

وننصح القارئ الكريم قبل الشروع في قراءة هذا العمل أن يفتح أمامه هذه السورة الكريمة؛ للمساعدة على استحضار المعاني التي سنتطرق إليها بإذن الله تعالى.

* ومن إعجاز القرآن الكريم كذلك أن تلخص آية واحدة سورة بأكملها أو تكون فارقة بين قسمين رئيسين منها؛ كآية آل عمران (138) التي تصدرت عملنا هذا، فإننا لو تأملنا هذا التذييل وهذه الآية الكريمة لوجدنا لها أشباهًا في مواضع عديدة في كتاب الله تعالى مثل:

- قوله تعالى في سورة الأعراف: {.. هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (203) }.

- وقوله تعالى في سورة إبراهيم: { هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (52)}.

- وقوله تعالى في سورة الأعلى: { إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (18) }.

ولو تدبرنا الآيات الكريمات السابقة وأشباهها لوجدنا أنها تأتي غالبًا في أواخر السور، وإن جاءت متقدمة عن ذلك قصد بها كل ما تقدم من السورة؛ مثل قوله تعالى في سورة (صلى الله عليه وسلم): {هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآَبٍ (49) }، حيث أنهت الكلام عن ذكر قصص المتقين؛ الذي كثيرًا ما يعبر عنه بالذكر؛ كسورة مريم حين عبر عن قصة النبي زكريا بالذكر : { ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا } [مريم : 2]؛ أي أن الآتي من القرآن هو قصة ( ذكر) النبي زكريا، ولم يقل: هذا ذكر النبي زكريا كحالتنا؛ لأن هذه الصياغة تعني ما مضى من السورة لا ما يأتي، وبدأ بعدها الاستفاضة في الكلام عن مآلهم عند الله ( حسن المآب )، وكذلك مآل أضدادهم في الآخرة.

* أي أن القسم الأول من الآية 49 من سورة ص - قبل حرف العطف - لخص القسم الأول من السورة، كما لخص القسم الثاني منها القسم الثاني من السورة، {..وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآَبٍ (49)} فكأن هذه الآية هي مركز سورة ص وملخصها.

وقد رأى أغلب المفسرين أن اسم الإشارة: { هَذَا } في هذه المواضع إن لم يقصد به القرآن نفسه لكان المقصود به ما تقدم من الآيات السابقة لها من أول السورة.

إذًا الآية المعنية - ( آل عمران : 138) - تلخص ما قبلها، فما هو ما قبلها؟ وتمهد لما بعدها، فما هو بعدها؟.

ما قبلها هو قسمان من ثلاثة أقسام رئيسة لسورة آل عمران وهي:

1 – "فضح خطايا ونوايا أهل الكتاب".

2 – "وصية لعدم الوقوع في العنت المرجو من أهل الكتاب " ( وتنقسم لوصايا فرعية ).

وأما ما بعد الآية الرئيسة فهو القسم الثالث من السورة وهو : "موعظة لما بعد القرح المتسبب فيه أهل الكتاب".

أي إن تقسيم السورة موضوعيًّا كالآتي :

القسم الأول: فضح خطايا ونوايا أهل الكتاب ( الآيات 19 : 99 ).

القسم الثاني: وصية لعدم الوقوع في العنت المتسبب فيه أهل الكتاب وينقسم إلى :

أ ) وصية فرعية لما يختص بأهل الكتاب ( الآيات 100 : 115 ).

ب ) وصية فرعية لما يختص بالمنافقين ( الآيات 116 : 128 ).

جـ) وصية فرعية لما يختص بالتقصير الذاتي ( الآيات 130 : 137 ).

القسم الثالث: وصية ( موعظة ) لما بعد القرح ( الآيات 138 : 200 ).

وفي عملنا هذا نتكلم أولًا عن القسم الأول من السورة ثم الوصية الأولى من الوصايا الأربعة سالفة الذكر.

القسم الأول: فضح الخطايا والنوايا: { هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ }

بيان وإيضاح خطايا أهل الكتاب، وتصحيح الأخطاء في مجالات العقيدة والشريعة والقصص عندهم، وإظهار مدى عدائهم للمسلمين وكيدهم لهم، وبيان أن أكبر جرائمهم هي كتمان ذكر الإسلام ونبي الإسلام عليه الصلاة والسلام في كتبهم. وقد ذكر تعالى أن هذا القسم فضح هؤلاء العصاة للناس كافة لا المسلمين فحسب: { هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ }.

وقد استغرق هذا القسم حوالي نصف السورة، من بداية السورة حتى الآية (99)، وإن شئنا الدقة فإن الثماني عشرة آية الأولى كانت بمثابة التمهيد له، ثم كانت البداية الحقيقية لهذا القسم في الآيتين ( 19، 20 ) ذكر فيهما مصطلح "الإسلام" أربع مرات، حيث بدأ بإنكار أهل الكتاب الإسلام، وهم يعرفون صدق نبيه صلى الله عليه وسلم.

ثم أعاد القرآن الكريم ذكر جريمتهم هذه في وسط الفقرة ( الآية 67 )، ثم في أواخرها ( الآيات 83: 86 ) حيث ذكر فيهن مصطلح " الإسلام " ثلاث مرات.

* وقد كان التمهيد في الثماني عشرة آية الأولى مناسبًا جدًّا لموضوع السورة ككل وذلك بذكر التوراة والإنجيل؛ وهما كتابا أهل الكتاب الذين تتحدث السورة عن نواياهم وخطاياهم. { نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) }، ثم كان مناسبًا كذلك لموضوع القسم الأول ( فضح خطايا ونوايا أهل الكتاب ) من ناحيتين.

أولًا: بذكر استحالة إخفاء شيء على الله عز وجل: { إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (5) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (6) } وهذا يناسب موضوع الفقرة من كشف المخفي؛ فقد علم وقدر ما يحدث في الأرحام فكيف لا يعلم سرائر الناس؟ ثم أكد تعالى على هذا الأمر – ألا يخفى عليه شيء - في ثنايا آيات القسم الأول من السورة: { قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29) }.

ثانيًا: بالدعاء: { رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) } لأن البيان - الذي هو موضوع القسم الأول من السورة - هو الدلالة التي تفيد إزالة الشبهة المذكورة في الآية السابقة ورفع الزيغ والالتباس والهداية إلى وضوح الأمر بعد الضلالة.كما مهدت هذه المقدمة لأول موعظة في القسم الثالث من السورة ( موعظة ما بعد القرح ) بقوله تعالى: { قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (12) قَدْ كَانَ لَكُمْ آَيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا ... (13) } يقصد غزوة بدر؛ فكأنما يمهد بهما لقوله تعالى في القسم الثالث: {.. وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ.. } ومهدت كذلك للحث على الجهاد المذكور في وصية القسم الثالث من السورة ( الآية 146 ) والآيات (156 – 158 ), مهدت له بالآيات (14, 15 ).

* وقد كان أهم ما في القسم الأول بيان أن سبب اختلاف أهل الكتاب معنا واعتراضهم وكتمان ذكر الإسلام عندهم هو الحسد على نزع الملك والنبوة منهم إلى قوم آخرين هم العرب المسلمين: { قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)} والعجيب أن مسألة نزع الملك والنبوة من اليهود لا زالت مكتوبة عندهم في كتبهم: "ملكوت الله - المملكة الإلهية - سينزع منكم ويعطى لأمة تؤتي ثماره.." (إنجيل متى 21: 43) ثم تذكر سائر كتب التوراة صفات هذه الأمة الوارثة التي لا تتطابق إلا مع العرب قبل الإسلام ألا وهي:

ثم شبه القرآن الكريم ملك ونبوة العرب المسلمين بالنهار والحياة؛ مثل قوله تعالى في موضع آخر: { أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ... } [الأنعام: 122]، وعبر عن ضلالة اليهود وملكهم المنصرم بالليل والموت، مثلما عبر في سورة الإسراء عن الإسلام بآية النهار وعن ضلالات وتحريفات اليهود بآية الليل.

* بعد أن فضح القرآن سبب حسد اليهود في الآيات السابقة أنهى ذلك بنهيين بقوله: { قُلْ } للتمهيد لموضوع آخر من القسم الأول للسورة؛ وهو تصحيح أخطاء أهل الكتاب في عقائدهم وقصصهم. وقد استغرق ذلك الآيات: { إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33)} إلى قوله تعالى : {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (62) }.

* بعد ذلك تتابع الآيات مجادلتهم في مواضيع أخرى مثل الاختلاف حول إبراهيم وأن المسلمين أولى به لأنهم على توحيده وقد كان إبراهيم أول من استخدم مصطلح "الإسلام" على نطاق واسع، وهو ما يجده اليهود عندهم في كتاب " الترجوم- التوراة الآرامية " ( 17: 1 ) حيث أمر الله إبراهيم أن يكون (مستسلمًا = مسلمًا ) لله وهو ما نجده في القرآن الكريم : { إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [ البقرة ]، وأنه هو الذي بنى الكعبة في مكة، واختار القرآن الكريم مصطلح ( بكة ) لأنه الاسم المكتوب عند أهل الكتاب حتى اليوم في سفر ( المزامير 5،6:84 ) ( وادي بكة ).

* ثم تستأنف الآيات فضح سلوك بعض أهل الكتاب من كتمان الحق المذكور عندهم ( الإسلام ) ومن إضلال الناس ونفاقهم وأكل أموالهم وتحريف كتب الله وشرائعه والصد عن سبيله.

الشاهد من أحداث غزة:

فضح القسم الأول من السورة قسوة قلب اليهود التي تمثلت ذروتها في قتل الأنبياء والصالحين: { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (21) }، بل إن القرآن الكريم لم يلحق مصطلح "سفك الدماء" بأحد بعد ذكره على لسان الملائكة عند خلق آدم إلا بهم (كما قال الداعية المصري إهاب أبو المجد): { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ..} [ البقرة : 84 ]، هذه الدموية ذكرها اليهود لأنفسهم ( توراتهم الحالية ) : (( وأما مدن تلك الشعوب التي يعطيك الرب إلهك إياها ميراثًا فلا تستبق منها نسمة، بل دمروها عن بكرة أبيها ( تثنية 2 : 16، 17 )، (( والآن اقتلوا كل ذكر من الأطفال.. )) ( عدد 31 : 14 – 18 ).

و (( حرموا كل ما في المدينة من الرجال وحتى المرأة ومن الشاب وحتى الشيخ، حتى البقر والغنم والحمير، فقتلوهم بحد السيف)) ( يشوع 6 : 21 – 25 ).

هذه الدموية التي فضحها القرآن الكريم والتي اعترفوا على أنفسهم بها في كتبهم قد رأيناها في عدوانهم الشيطاني على غزة.

ورأيناها في قتل وإصابة 7000 مدنيًّا نصفهم من النساء والأطفال والإبقاء على معدل مائة شهيد فلسطيني أمام كل قتيل إسرائيلي.

رأيناها في عدوان كاسح على مدنيين عُزَّل استمر اثنين وعشرين يومًا، تشكل الطائرات الإسرائيلية بأدخنتها رقم كل يوم من أيام العدوان. رأيناها في تدمير أكثر من مائة مسجد تدميرًا شبه كامل.

صورة تشهد على مجازر اليهود في غزة

وكذلك تدمير المدارس ( خمسة منها تابعة للأمم المتحدة، وفي أثناء وجود لاجئين فيها بعلمهم ) وتدمير آلاف المنازل والأبراج السكنية واستهداف المستشفيات.

واستعمال الأسلحة المحرَّمة دوليًّا؛ كالفسفور والدايم واليورانيوم المنضّب لدرجة أن كثيرًا منها ظل مشتعلًا أيامًا بعد انتهاء الحرب فما بالنا حين يصيب الإنسان؟

ومنها ما تدخل جسيماته الصغيرة جسم الإنسان فيدمره حين يستقر به فيكون النزيف حتى الموت. وتجميع الناس في منزل واحد ليدمر بهم؛ كمنزل عائلة السِّموني رحمهم الله حين قتلوهم جميعًا ( مائة نفس ) بعد احتجازهم مدة يومين.

كل هذا بعد حصارٍ رهيبٍ دام أكثر من عام.

* هذه القسوة والدموية التي فضحها القرآن رأيناها كذلك في أعقاب أحداث غزة، في انتخاب اليهود الأكثر دموية وقسوة مثل "نتنياهو" بـ "لاءاته" العشر الشهيرة وتصريحه أن عرب 48 يشكلون قنبلة موقوتة، وليبرمان الذي يصف عرب 48 – أصحاب الأرض – بأنهم يشكلون تهديدًا أسوأ من حماس واقترح طرد مئات الآلاف منهم بعد تجريدهم من جنسيتهم، هذا السفاح يراه الصحفي الصهيوني المتشدد منتقد حركة السلام "مارتن بيريتز" من صحيفة "نيوربابليك" يراه من الفاشيين الجدد، ويراه رجل عصابات بكل ما للكلمة من معنًى!!. وفي هذا الوقت يشرئب كذلك "بيني موريس" المؤرخ الإسرائيلي الذي كان قد وثَّق عمليات الطرد الجماعي والقسري للفلسطينيين عام 1948م، إذا به يطالب بتهجير العرب الذين رآهم يشكلون طابورًا خامسًا(4) وينقلب على أفكاره القديمة المعتدلة.

القسم الثاني: وصية لعدم الوقوع في العنت { هُدًى وَمَوْعِظَةٌ }

وهو وصية للمسلمين حتى لا يقعوا في العنت الذي يريده أهل الكتاب لهم، وقد استغرق ذلك الآيات ( 100: 137 ). وهو موضوع الدراسة الأساس، وسوف نعرض بإذن الله كل وصيةٍ والشاهد منها من أحداث غزة.

بعد أن فضح الله تعالى سرائر وخطايا أهل الكتاب كان طبيعيًّا أن يسأل المسلمون: وماذا نفعل معهم إذًا؟ فكانت تلك الوصية العظيمة.

* وأية وصية تنقسم إلى أوامر ونواهٍ ( افعل ولا تفعل )، فعبر القرآن الكريم عن الأوامر بالهدى وعن النواهي بالموعظة،كما قال تعالى لنوح حين نهاه أن يدعو لولده الكافر : { إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ } [ هود] أي أن هذا القسم هو القسم الثاني من الآية 138 وهو: { هُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ }، كما كان القسم الأول هو: { بَيَانٌ لِلنَّاسِ } لكل الناس. أما الأوامر والنواهي فلا يمتثل لها إلا المسلمون المتقون؛ فلم يقل هنا: هدًى وموعظةً للناس !!.

وقد انقسمت هذه الوصية كما أسلفنا إلى ثلاث وصايا فرعية:

الوصية الأولى: فيما يختص بأهل الكتاب ( وهي موضوع مقالتنا الأولى هذه ).

وقد استغرقت – هذه الوصية – من الآية 100 إلى الآية 115 وهي تشمل بندين :

البند الأول: عدم طاعة المحاربين من أهل الكتاب

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100) }.

وقد نزلت هذه الآية في " شاس بن قيس " وهو يهودي أفسد بين الأوس والخزرج بعد إسلامهم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، حتى كادوا يتقاتلون لولا وقوف النبي صلى الله عليه وسلم بينهما. وقوله تعالى: { يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ } يبدو أن الكفر المقصود هنا هو ما يعنيه الحديث الشريف المروي في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ » أي يجعلونكم تتقاتلون.

الشاهد من أحداث غزة:

شخصية اليهودي الذي يخطط ليؤلب فريقًا من المسلمين على غيره كشاس بن قيس قد تمثلت هنا بسياسي يهودي أمريكي من إدارة بوش سيئة الذكر يدعى "إليوت إبرامز".

صورة لإليوت إبرامز

وهو مدان سابقًا في فضيحة "إيران كونترا" ومدافع عن مجازر تمت في أمريكا الوسطى ( Elmogote massacre ) ومن دعاة احتلال العراق. هذا الشقي وضع خطة لإشعال حرب أهلية فلسطينية - راجع في ذلك "خطة إبرامز" لإشعال حرب أهلية فلسطينية موقع العربية www.alarabiya.net – وقد فضحت هذه الخطة مجلة "فانتي فير" الأمريكيةwww.vanityfair.com/politics ب(5) التي ذكرت أن الخطة التي أشرفت عليها "رايس" ووافق عليها بوش وبمساعدة شركاء إقليميين فشلت؛ لأن مقاتلي فتح المدعومين قاموا - عن غير قصد - باستفزاز حماس للاستيلاء على غزة.

والحق إن مسألة "من غير قصد" فيها نظر؛ لأن الاستعمار منذ الأزل يؤجج نار الحرب بين فرق المسلمين المتناحرة، بل ويدعم الطرف الأضعف أيًّا كان حتى يضعفوا جميعًا كما حدث في الأندلس(6)، وقد ذكر الأكاديمي الأمريكي الشهير فاضح اللوبي اليهودي في أمريكا "ستيفن والت" في مقالة في موقع مجلة السياسة الخارجية الأمريكيةFPل(7) أن إسرائيل حين انسحبت من غزة عام 2005م قد باعت أسلحة خفيفة للطرفين عن طريق وسطاء مأجورين للتضليل، وهو ما رآه أيضًا البروفيسير " ميرشايمر " الأستاذ بجامعة بوسطن، وهو من منتقدي اللوبي اليهودي في أمريكا . كما كان غريبًا أن يضغط بوش على عباس حتى لا يؤجل الانتخابات الفلسطينية بما يخدم مصالح فتح(8)! مما أغضب الكثيرين من فتح، ثم ضغط على فتح حتى لا تشارك في حكومة وحدة وطنية مع حماس وحرك بعض عملائه في فتح لاستفزاز حماس مما أدى إلى الاقتتال الداخلي المطلوب إسرائيليًّا وأمريكيًّا.

وهكذا كانت طاعة أهل الكتاب ( أمريكا وخطة "إليوت إبرامز" ) سببًا في اقتتال المسلمين قبل العدوان على غزة، بل إنه مهد له لأنه أعطى الفرصة لادعاء سيطرة من يسمونهم في الغرب بالمتطرفين الإسلاميين على غزة بعد هزيمة فتح وانسحابهم المفاجئ. بل يسمي الغرب غزة تحت سيطرة حماس غزَّستان وحماسِسْتان على وزن طالبان.

* الخطط الغربية الهادفة لوقوع الاقتتال بين المسلمين في المنطقة لم تقف عند ما قبل العدوان على غزة من اقتتال حماس وفتح، بل امتدت لما بعد العدوان.

البند الثاني: لا تنشئوا فرقًا تختلف مع ثوابت الدين

{ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105) } (9).

لأن ترككم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يؤدي إلى انشقاقكم ونشوء الفرق المختلفة في أصول الدين؛ كما حدث لليهود والنصارى على مدى تاريخهم. وهم - أهل الكتاب - لذلك سيرعون نشوء الفرق المخالفة في العقائد والأصول عند المسلمين . وما ينبغي أن يحدث هذا؛ لأن الله قد بـيَّـن لنا أدلة وآيات هذه المؤامرة وفضح لنا سرائر المعادي لنا من أهل الكتاب، فيجب علينا تنفيذ وصايا الله تعالى الذي لا يظلمنا بهذه الأحكام والوصايا التي هي صحيحة حقًّا، وهي من عند الله حقًّا، ووقوع المسلمين في هذا الشَّرك قد يؤدي إلى انقسام المسلمين إلى دولٍ نشأت على أساس الاختلاف المذهبي تتقاتل فيما بينها كما بيَّن تعالى في البند الأول للوصية.

الشاهد في عصرنا وأحداث غزة:

صورة لصبحي منصور

* لم ير المعاصرون وقتًا نشأت فيه فرقًا ذات أفكار شاذة كعصرنا؛ فنرى منكري السنة الذين يسمون أنفسهم بالقرآنيين، ونرى غلاة الصوفية وغلاة الشيعة. وعلى الجانب الآخر نجد "الحداثيين" وهم غلاة العلمانيين ونسمع أخيرًا عن عودة البهائية. الكل يعمل ويستقطب الناس دون رادع، وقد كان مناسبًا جدًّا أن يذكر القرآن ذلك في معرض الوصية فيما يختص بأهل الكتاب؛ لأن كل هذه الفرق كلها مدعومة منهم. فالبهائية مركزها في الكيان الصهيوني ونشأت تحت رعاية الاحتلال الإنجليزي. كما أن أمريكا هي الداعم الأول لمنكري السنة وزعيمهم في مصر ( د. صبحي منصور ) الهارب عندها، وأعلن في ذروة أحداث غزة عن اضطهاد فرقته في مصر!.

ثم الحداثيين وممثليهم [ جمال البنا ونوال السعداوي وزكريا أوزون (صاحب كتاب "جناية البخاري" وكتاب"جناية الشافعي" وكتاب"جناية سيبويه"!) وسيد

القمني وغيرهم ].

فلا أدل على دعم أمريكا لهم من تقرير الخارجية الأمريكية "الإسلام المدني الديمقراطي" civil democratic Islam الذي يدعو صراحةً إلى دعم التصوف والحداثيين من أجل تغيير الإسلام نفسه!.

كما لا ينبغي لنا في معرض ذكر الفرق المخالفة للأصول أن ننسى ما يمكن أن نسميهم "المشرعين الجدد" ففي عام 2008م تبنت د.زينب رضوان وكيلة

صورة لكاتب جناية البخاري لزكريا أوزون

مجلس الشعب المصري مشروع مساواة المرأة مع الرجل في الميراث، ثم صدر قانون الطفل الذي شاركت في صياغته جهات كنسية غربية، ثم صاغ مركز قضايا المرأة المصرية مشروع قانون يؤكد حق الزوجة في نصف ثروة الرجل كالقانون الأمريكي(10)، ثم إقدام لجنة السياسات في الحزب الوطني المصري الحاكم على طرح تعديل على قانون الأسرة يمنع تعدد الزوجات(11)! وقبل ذلك فتاوى بعض علماء مصر والمملكة الرسميين في هذا الأمر من دعوة المرأة إلى ضرب زوجها إن ضربها أو تأتي بأبيها وأخيها لضربه!.

ثم السكوت على إقدام فرنسا على اشتراط "تأهيل" أئمة المساجد في المعهد الكاثوليكي، بل وتم تخريج الدفعة الأولى بالفعل (400 إمامًا) حسب ما أوردته القناة الخامسة الفرنسية في 11 / 2 / 2009م(12). وأخيرًا وليس آخرًا، إقدام الأزهر على الاتفاق مع بنديكت شاتم الإسلام على مراجعة الكتب المدرسية وتنقيتها من النصوص المسيئة للمشاعر الدينية! بل وإسناد رئاسة الاجتماع إلى الكاردينال "توران" أكثر المتحاملين على الإسلام(13).

خاتمة الوصية الأولى:

بعد ذكر بندي الوصية الأولى هذه خُتمت بذكر أن هذه الآيات هي وصايا الله وأحكامه التي لا يمكن أن تكون إلا من عنده والتي لا يمكن أن يكون فيها ظلم لأحد: { تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (108) }.

وإن لم تطبقوا هذه الأحكام فاعلموا أن عصيانكم هذا سيسوِّد وجوهكم أمامه تعالى، وعندئذٍ اعلموا في حق مَنْ أخطأتم إنه الذي له ما في السماوات وما في الأرض، فلا مهرب منه ولا بطش كبطشه { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (109) }، ثم يُرغِّب القرآن المسلمين بذكره أنهم في علم الله خير أمة فكيف لا يطبقون وصايا الله؟ { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110)}، ويُرغِّبهم ويحفزهم مرة أخرى حتى يبين لهم ضعف أعدائهم، وأن ضررهم بهم لن يكون ماحقًا فيستبيحوا بيضتهم أو يكسروا إرادتهم. وأنهم جبناء عند اللقاء مع المسلمين إذ يولوهم الأدبار. ثم بيَّـن القرآن الكريم سببًا مهمًّا لضعف أعدائهم هؤلاء إذ إن قوتهم ليست ذاتية بل إنها مرتبطة بجسور وحبال لهم مع غيرهم بعد أن قطعوا حبلهم مع الله الذي تعتصمون به أنتم يا مسلمون إن شاء الله - كما طولبتم في الوصية – ولو سعيتم لقطع حبلهم مع الناس هذا لانقطع الحبل السُّري لبقاء كيانهم. كما أنهم أذلاء بسوء اعتقادهم في الله وسوء أفعالهم خاصةً سفك دماء الأنبياء والصالحين، وكذلك بعصيانهم وعدوانهم، وهم بذلك يحملون غضب الله فكيف تخافونهم؟ { لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (111) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (112)}.

الشاهد من أحداث غزة:

الشاهد في هذه الفقرة القرآنية من أحداث غزة أمران:

أولًا: جبن اليهود وضعفهم:{ لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (111) }.

وقد تمثل ضعفهم في اعتمادهم على ضربات الطيران التي لا يملك أهل غزة سلاحًا مضادًا لها، واستخدام أسلوب الأرض المحروقة قبل التقدم ومرافقة الطيران لكل فصيلٍ متقدم، ثم في عدم تطبيقهم للمرحلة الثالثة التي أعلنوا عنها؛ وهي التوغل داخل المدن لا الأطراف فقط. وتمثل - كما روى المجاهدون - في ارتداء جنود اليهود للحفاضات! وقد اعترف "باراك" وزير الحرب الإسرائيلي وقتذاك وفي اليوم الثالث لمؤتمر "هرتسيليا" للأمن القومي بأن حماس نجحت في زراعة الخوف في قلب جنوده(14).

* وأما ضعف كيانهم فلا أدل عليه من اعتمادهم على دول كبرى؛ إنجلترا أولًا، والآن أمريكا التي شحنت لها أسلحة من قواعدها في اليونان في أيام العدوان، وهو ما حدث من قبل في حرب العاشر من رمضان.

ولقد حدد المفكر الراحل عبد الوهاب المسيري عشر علامات لزوال دولة إسرائيل؛ منها تآكل المنظومة المجتمعية، وفشل صهر المجتمع عندهم - الروس الآن خمس اليهود بعد الهجرة من الاتحاد السوفيتي المتفكك - ومنها تدني مستويات الهجرة مقابل تزايد النزوح من إسرائيل، ومنها اتساع الهوة بين العلمانيين والمتدينين، والفشل في تحديد ماهية الدولة اليهودية التي يرى بعض حاخاماتهم أن إعلانها هو علامة انهيارها، ومنها عدم القضاء على السكان الأصليين ( الفلسطينيين ) والفشل فيما نجح فيه الغرب في أمريكا واستراليا من إفناء السكان الأصليين، بل إن أعداد الفلسطينيين تزداد فيما عرف بالقنبلة الديموجرافية، حيث يشكل فلسطينو 48 وحدهم 20% من سكان الكيان الصهيوني(15) في الوقت الذي تراجع فيه عدد اليهود في العالم إلى النصف خلال 37 عامًا نتيجة التحول عن اليهودية والزواج من غير اليهوديات وانخفاض نسبة المواليد(16).

وذكر المسيري أن من علامات زوال دولة إسرائيل كذلك استمرار المقاومة التي سماها "جرثومة النهاية للدولة الإسرائيلية".

وأخيرًا ذكر رحمه الله أن آخر علامات زوال دولة إسرائيل هو تَحدُّث بعض الأمريكيين أنها أصبحت تشكل عبئًا إستراتيجيًّا على أمريكا(17)؛ لا أدلُّ على ذلك من إنهاء العدوان على غزة قبل تنصيب "أوباما" رئيسًا لأمريكا بيوم واحد، وهي كما قال ربنا تعالى لا تقوم إلا بدعم خارجي، هذا الدعم يكون نظير قيام إسرائيل بوظيفتها الاستعمارية للغرب عندنا ؛ فإن فشلت أو هزمت هزيمة حاسمة واحدة انهارت تمامًا.

يعزز هذا أن اليهود لا يتحملون خسارة بشرية كبيرة لجبنهم وحرصهم على الحياة أيًّا كانت، كما أخبر ربنا تبارك وتعالى بذلك. ومن ينسى كيف كان أثر صواريخ القسَّام يدوية الصنع إبان العدوان من إصابات بالرعب والهلع بين اليهود؟.

لقد قال "بيريز" رئيس الكيان الصهيوني حين سئل في الذكرى الستين لكيانهم، إن كانت إسرائيل ستعيش ستين سنة أخرى - قال : اسألني هل ستبقى عشر سنوات قادمة؟!.

ثانيًا: ليس كل الكتابيين معادين لنا: { لَيْسُوا سَوَاءً }

فمن ينسى الحاخام اليهودي من جماعة "ناتوري كارتا" الذي أحرق جواز سفره الإسرائيلي في مظاهرات إنجلترا ضد العدوان؟.

وكذلك المؤرخ الإسرائيلي "شلومو زاند" الذي تكلم عن داود الفلسطيني وجوليات"جالوت" اليهودي الذي احتكر حق الدفاع عن النفس، ثم تمنى أن توقظ هذه الحرب ضمير العالم(18).

وكذلك الروائي الإسرائيلي المعروف "ديفيد بروسمان" الذي صرح بأنه يجب أن تفهم إسرائيل أن العيش مع جيرانها يقتضي القليل من الإحساس بالمعاناة البشرية(19).

ومن ذلك أيضًا بكاء مذيعة الأخبار الإسرائيلية الشهيرة "يونيت ليفي" على أطفال غزة مما عرضها للهجوم الشديد وتهمة التعاطف مع العدو!!.

وانتقاد المذيع الأمريكي اليهودي "جون ستيوارت" للموقف الأمريكي المتحيز لإسرائيل في برنامجه الشهير: "the Daily show "وسخريته الشديدة لذلك من بوش(20).

وأيضًا وصف المحقق الأممي اليهودي "ريتشارد فولك" الوضع في غزة بالوضع الذي كان في جيتو وارسو أثناء الحرب العالمية الثانية ( معسكرات النازي)(21).

أما "جدعون ليفي" الصحفي الإسرائيلي الشهير فقد وصف ما فعله اليهود في غزة بجريمة الحرب، وأضاف في فيلم وثائقي لقناة الجزيرة بعنوان "في الواجهة" أذيع في مساء 20 / 2 / 2009م: إذا لم يكن ما فعلته إسرائيل إرهابًا فما هو الإرهاب؟.

"إسرائيل وايز" الحاخام اليهودي المعادي للصهيونية هو وجماعته ذكر في فيلم الجزيرة سالف الذكر أن إسرائيل تستغل محرقة الماضي لممارسة محارق أخرى للفلسطينيين، وأنهى كلامه بقوله: صلوا من أجل زوال إسرائيل!.

المؤرخ اليهودي الأمريكي "نورمان فينكيلشتاين" عتب في ذات العمل على أوروبا التي تحارب تهريب السلاح إلى الضحية - أهل غزة - وختم كلامه بقوله: (( هذه الدولة الطائشة - إسرائيل - لا تتكلم إلا عن الحروب ، مولودة من رحم جهنم حيث يجب أن ترجع )).

وأخيرًا المحامي والسياسي اليهودي "أفيجدور فيلدمان" الذي وصف ما حدث في غزة بالمذابح الجماعية.

هذا عن المنصفين من اليهود، أما عن الغرب عمومًا فيكفي أن نعلم أن إنجلترا كانت ثاني دولة في مقاطعة إسرائيل؛ حيث طالب الحزب الليبرالي الديمقراطي - ثاني أكبر أحزاب بريطانيا – الاتحاد الأوروبي بقطع علاقاته التجارية مع إسرائيل(22)، كما ذكرت الكاتبة البريطانية "ناعومي كلاين" في جريدة "الجارديان" أن أفضل طريقة لإنهاء الاحتلال الدموي هي استهداف إسرائيل بالمقاطعة.

حتى اليهود من الإنجليز أدانوا إسرائيل مثل عضو مجلس العموم" جرارد كاوفمان" الذي قال : إن إسرائيل دولة إرهابية قامت على التمييز العنصري والإرهاب وطالب حكومته بمنع مد إسرائيل بالسلاح؛ لأن مجازر إسرائيل في غزة غير مبررة(23).أما الكاتب البريطاني "روبرت فيسك" فقد ذكر في "الإندبندنت" أن وحشية إسرائيل في غزة تصل إلى مستوى حروب البلقان في التسعينات، وفي مقال آخر في بدايات الحرب هاجم الأنظمة العربية بشدة لفسادها وتراخيها مع إسرائيل.

كذلك طالب عمدة لندن السابق "لي ليفنجستون" بمقاطعة إسرائيل، أما الموقف الأكثر رجولة فكان من السياسي السكوتلندي"جورج جالاوي" الذي قاد مظاهرات يصل المشاركون فيها إلى ربع المليون، وهاجم المتخاذلين من العرب، وقاد قافلة من المساعدات من بلاده إلى غزة عبر شمال أفريقيا ومعه عدد من نواب البرلمانات الأوروبية!.

أما في سائر أوروبا فقد تواصلت المظاهرات في عواصم فرنسا وبلجيكا والدانمارك وأسبانيا والنرويج والسويد الذي تعرض السفير الإسرائيلي فيها إلى الضرب بالحذاء، بينما كان يحاضر في جامعة "ستوكهولم"(24)! أما في ألمانيا فقد كانت المظاهرات الأكبر، كما كشف استطلاع للرأي أن 70% من شباب ألمانيا قد تخلصوا من شعورهم التقليدي بالمسئولية إزاء إسرائيل(25).

أما في الولايات المتحدة فقد خرجت المظاهرات، وإن كانت ليست بزخم مثيلتها الأوروبية. كما ذكر الأكاديمي الأمريكي "جون ميرشايمر" أن إسرائيل قد خططت لهذه الجريمة منذ اتخاذها قرار الانسحاب من غزة في 2005م، العجيب أنه ذكر ذلك في مجلة يمينية متطرفةthe American conservativeب(26).

وقال أيضًا "رمزي كلارك" [المسئول الأمريكي السابق] في فيلم الجزيرة سالف الذكر أن ما حدث في غزة أسوأ من عام 48؛ إذ يريد اليهود من الفلسطينيين أن يخافوا ويرحلوا، وأن هذه جريمة حرب كحال أمريكا في العراق.

ذكر أيضًا "فرانسيس أنتوني بويل" الأكاديمي الأمريكي في ذات الفيلم الوثائقي أن العالم يجب أن يردع إسرائيل؛ لأن ما فعلته من إطلاق الرصاص على المصابين في المستشفيات جريمة حرب.

حتى الفنانين الأمريكيين تفاعلوا مع الحدث مثل المغني "مايكل هارت" الذي غنى أغنية عن المجاهدين في غزة عنوانها: "لن نركع"(27).

الأكثر عجبًا كان موقف أمريكا الجنوبية حيث خرجت المظاهرات الحاشدة وأقدم رئيسا كلٍّ من بوليفيا وفنزويلا على قطع العلاقات مع إسرائيل، مما أحرج العديد من المسئولين العرب، بل إن الرئيس البوليفي "موراليس" طالب بسحب جائزة نوبل للسلام من الرئيس الإسرائيلي "بيريز".

الخلاصة:

هكذا استعرضنا بفضل الله تعالى القسم الأول من سورة آل عمران "فضح خطايا ونوايا المحاربين من أهل الكتاب"، وشاهد ذلك من أحداث غزة.

ثم الوصية الأولى من وصايا آل عمران الأربع، وشاهد ذلك أيضًا من أحداث غزة. وكل هذا يُظهر مدى إعجاز نظم القرآن، وتماسك السورة الواحدة، بل وتلخيصها في آية واحدة. وبيان بصمة القرآن في الصيغة الواحدة رغم نزوله مفرقًا. كما بيَّن ذلك إعجاز نبوءات القرآن في كشف نوايا وخطايا أهل الكتاب كما نراها الآن ، وكذلك في تحقيق ما حذر منه القرآن حين لا ننفذ وصايا الله تعالى .

وإن شاء الله نكمل شرح سائر وصايا السورة على ذات المنهاج لاحقًا.

يستقبل الأستاذ هشام محمد طلبة رسائلكم وتعليقاتكم على المقالة على الإيميل التالي:

Tolba_hesham@yahoo.com


تأملات في سورة الأنبياء


د. ســلامه عبد الهادي

أستاذ في علوم إدارة الطاقة وعميد سابق للمعهد العالي للطاقة بأسوان

قال الله تعالى:(أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ)[سورة الأنبياء:30].

القرآن الكريم نور يهدى إلى الله و إلى طريقه... و لكل آية من آيـات القرآن إشعـاع خـاص بها ... منه مـا يهدي إلى صـراط الله المستقيم و سعـادة الدارين و الاطمئنـان بهمـا..

و منـه مـا يلقي على آيــات الله فى الكون فـيـتـعمق فى أسـرارهـا بحكمة خـالقهـا، يعي منهـا المتدبر بحسـب علمه و تخـصـصـه، ليهتدي بهـا إلى عظمـة الخـالق الذي وسع كل شيء رحمـة و علمـا... وعندمـا يعجز العلم عن الوصول إلى تفسير كيف بدأ الخلق و من هو القائم عليه حتى يستمر ويسير بهذا النظام الثابت والواحد فى كل شيء و كيف ينتهي... نجد فى آيـات القرآن الرد التـام و الكـامل و التي هي بمثابة إعلان من الله أنه هو الخالق و الحي القيوم والقائم على كل هذا... ودليل و برهان على حقائق مطلقة يدركها العربي و الأعجمي تنتهي إلى الإيمان بعظمة الله و قدرته... يأتي هذا البرهان بالقول الذي يعجز عن أن يأتي بمثله من فى الأرض جميعـا و لو اجتمعوا له... وما نتطرق إليه فى هذا المقال وجه واحد من أوجه الإعجاز فى هذه الآيات... و هو الإعجاز الذي يراه مهندس تطبيقي... ولكن هناك الإعجاز الأدبي والبلاغي و الجمالي والتضافرى والتركيبي والعلمي وأوجه أخرى يراهـا كل إنسان بحسب معارفه وتخصصه فى كل آية و كلمة و حرف من هذه الآيات... دليلا على صدق هذه الرسالة... خاتمة رسالات الله إلى خلقه و التي تتناسب مع هذا العصر و علومه.

و لنـنظر إلى آيات نـقرأهـا فى القرآن الكريم أو نراهـا فى هذا الكون البديع و نختص فى هذا المقال بآيات جاءت متعاقبة فى سورة الأنبياء حيث يقول الحق :

(أو لم ير الذين كفـروا أن السماوات والأرض كـانتـا رتقـا فـفـتقـنـاهمـا و جـعلنـا من المـاء كل شيء حي أفلا يـؤمنـون، وجعلنـا فى الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنـا فيهـا فـجـاجـا سبـلا لعلهم يهتدون، وجعلنـا السمـاء سـقفـا محفـوظـا وهم عن آيــاتهـا معرضون وهو الذي جعل الليل و النهار والشمس والقمر كل فى فلك يسبحون) الأنبيـاء (30 ـ 33 ).

ثم ننظر لمتابعة نفس الموضوع إلى آيـة جـاءت فى نهـاية نـفس السورة لتعـبر عمـا يحدث للسماء فى يـوم القـيـامة حيث يقول الحق(يوم نطوى السماء كطي السجل للكتب، كما بدأنا أول خلق نعيده، وعدا عليـنا، إنـا كنـا فـاعلين)[سورة الأنبياء:104].

تخـاطب هذه الآيـات الكـافـرون بوحدانية الله وقدرته فى كل زمـان، فتعرض عليهم بأقوى الأسـانيد العلمية و الأدلة المـرئية مـا يـؤيد دعوته إلى كل الأنبياء و إلى خـاتم المرسلين أنه لا إله إلا الله... أو لمالآيــات بقول الحق... أو لم يـر ... دليلا على أن من له الرؤية السليمـة سـوف يصل إلى هذه الحقـائق.

و قد أقـر جمهور علمـاء الطبيعـة أن خلق هذا الكـون جـاء من مـادة واحدة ملأت الكون فى بدايته... وأن هذه المـادة المنتـشرة التي ملأت الكون فى بـداية خلقـه جـاءت جميعهـا من أصل واحــد ومن نبت واحد بحيث تـشابهـت في كل أركـان هذا الكون.. فقد رأوا نفس الذرات والعنـاصـر والمركبات فى كل أركان الأرض بل وعلى سطح القمـر وفى المريخ والشمـس والكواكب الأخرى..و فى النجوم و المجـرات جميعهـا.. فالمعـادن التي على الأرض هي نفس المعـادن التي وجدتهـا مركبات الفضـاء فوق سطح القمـر والمـريخ... والغـازات التي تكون الشمس وتحيط بهـا هي نفـس الغـازات التي نجدهـا فى معـاملنـا على الأرض.. وجميع الكواكب تخضع فى حركتهـا إلى نفس القوانين التي تخضع لهـا الأرض.. وجميع النجوم تخضع فى تفـاعلاتهـا إلى نفس القوانين التي تخضع لهـا الشمس ولهـا نفس مكونـاتهـا.. لهذا وضع العلمـاء نـظريـاتهم عن بداية هذا الكون أن المـادة التي جـاء منهـا خلق الكون كـانت جميعهـا مجتمعـة فى حـالة إنضغـاط لإنهائي قبل ولادة الكون...ثم وقع على قدر تخيلهم حدث بدأ و انتهى فى لحظة واحدة و نشأ عنه انـتـشار هذه المادة فى الكون كله و أسموا هذا الحدث " الانفجـار الكبير "... ثم تحولت مـادة الكون بعـد هذا الانفجـار إلى إشـعـاع مـلأ الكون كله... ثم تحول الإشعاع بفعل بـرودة الكون إلى ذرات تمـاثلت جميعهـا فى تكوينهـا و أشكـالهـا... ثم تجمعت الذرات فى نظـام واحد إلى نـجـوم ثم كواكب تـابعة للنجوم... وتجمعت النجوم فى مجـرات و حـارات.. أي تشـابهت النجوم و الكواكب والمجـرات منذ بداية الكون و اتزنت وانتظمت بجميع مكونـاتهـا على حد قولهم بفعل انفجـار كبير لم يستغرق سـوى لحظـة واحدة.

لقد أصـابت النظـرية فى أن مــادة الكون كما رآها هؤلاء نشأت جميعهـا من أصـل واحد ومن مـصـدر واحــد لأن نـسيج الكون كـله متـشـابه فى كـل شيء... ولكن إنكـار يـد الخـالق الذي دبــر أن يأتي هذا الكون من منشـأ واحد ثم إرجـاع هذه النـشـأة إلى انفجـار كبـير جاء فى لحظة وحدة يمثل تعـامي عن الحـقـائق... فمـا ينـشـأ عن انفجـار كبير هو الدمـار و ليس عمـارة الكون بهذا النظـام الكامل والوحدة الرائـعــة... هو الفوضى وليس اتـزان النجوم فى مجراتهـا والكواكب فى أفـلاكهـا منذ اللحظة الأولى... هو الاختلاف و ليس تـشـابه الكون فى كل أركـانه و أنحـائه

كيف يكون هذا الكمـال والاتزان والتمـاثل نتيجة لانفجار عشوائي... ثم مـا الذي أحدث انفجـار هذه المـادة وفى هذا الوقت القصير بحيث تملأ مـادته الكون كله على اتـســاعه بهذه الدقة المتنـاهية و التماثل التام فينـشـأ عنه كـون متسع يـتسم بالكمـال والجمـال و الوحدة و الاتـزان منذ لحظـته الأولى... إن العلم المجرد من الإيمان يقف عـاجزا عن الرد عن هذه الاستفسارات... و لا يستطيع أحدا أن يملك الرد على كل هذه الاستفـسـارات سوى خـالق هذا الكون الذي أنـشأه و شــهد نـشــأتـه... خـالق لم يرضى أن يترك النـاس فى حـيرة و شـك عندمـا يدركون مـا فى هذا الكون من تمـاثل أو تشابه جاء منذ بدايته دون أن يجدوا لهذا تفسـيراً.... فـأرسل كتـاباً يهدى به إلى الحق و الحقيقة وإلى صـراط الله المـستقيم... فجـاءت هذه الآية بالرد الحق على كل مـا رآه العلمـاء وحاولوا أن يـجدوا له سبـبـاً...( أو لم يـر الذين كفـروا أن السماوات و الأرض كـانتـا رتقـاً ففـتقـنـاهمـا )... أي أن وراء هذا الكمـال والوحدة والاتـزان حالقا قديراً.. جعل ولادة هذا الكون من نسيج واحد أو رتق واحد، ثم فصل أو فتق هذا الرتق الذي كان يجمع السماوات والأرض فى حيز محدود من نسيج واحد إلى خيوط تـشابهت جميعهـا فى أشكـالهـا و خـامـاتها... فجـاء هذا الفتق بحكمته و علمه إلى هذه الأفلاك والأجسام والنجوم والكواكب والمجرات والحارات التي تشابهت جميعا فى تكوينها وقوانينهـا وطاعتهـا و خاماتها و نسيجها وذراتها و عناصرها وتسبيحها... لهذا جـاء التوحيد والتمـاثل والاتزان والإبداع فى كل أرجـاء الكون.. ... هكذا جـاءت كلمتـا( الرتق و الفتق ) بكل المعاني التي عبرت عن كل مـا وجده و حـار فى تفسيره العلمـاء و ليرد على من ينكروا أن وراء نظم هذا الكون وانتظامه بالمنطق والتفسير و العلم والحكمة خـالق قدير وعظيم... و هل يـتأتى إحكام هاتان الكلمتـان لأحد سوى خـالق السماوات و الأرض... خـالق الرتق و محدث الفتق....إنهـا حكمة لا تتأتى لأحــد غيره.. وهذا هو الرد المعجز على كل من ينكر فضله وآياته فى عمـارة هذا الكون و فى كتابه.

لقد كان الكون عبارة عن كتلة واحدة مجتمعة وحدث انفجار هائل لا يمكن تصوره كان على أثره خلق الكواكب والحيوانات والإنسان وهذا نفس الكلام الذي حدثنا عنه الله في قرآنه قبل أكثر من 1400 سنة

ثم تأتى الآية التـالية بدليل آخــر أمـام الكـافرين بوحدانية خـالق هذا الكون و الحياة، فكمـا خلق الله الكون من نسيج واحد جـاء فتقه و نشره بقدرته فصـار لهذا الكون اتسـاعه و إبداعه، جعل من الماء كل شيء حي فيقول الحق وجعلنـا من المـاء كل شيء حي.. من ينظر إلى هذه النجوم العملاقة يجد أنهـا جـاءت من أحد عنصري المــاء و هو الهيدروجين ثم نجد نتيجة مـا يحدث فى هذه النجوم من تفاعلات أثنـاء حياة النجم أو عند انقباضه يتحول النجم إلى مجموعة من العناصر الأخرى التي لهـا ذرات عمـلاقة...

هناك من يدعى أن بعض هذه الذرات العملاقة قد كونت بالصدفة الأحمـاض النووية والأمينية العملاقة ثم اشتركت هذه الأحمـاض بالصدفة أيضـا فى تكوين أول خلية جـاءت إلى الأرض، ثم دبت بهذه الصدفة الحياة فى تلك الخلية دون أن يعرفوا مــادة الحياة أو يقولوا مـا هي عناصر الحياة التي دبت فى الخلية بحيث ينشأ منهـا كل هذا الخلق، إن العقل البشرى يوقن أن مـا يحويه عنصري المـاء ( ذرتي الهيدروجين و الأكسيجين ) من إلكترونات و بروتونات و نيوترونات وجسيمات نووية و ذرية أخرى لا نعلم منهـا إلا القليل يمكن أن يتراص ويأتلف ليكون كل العنـاصر التي تراصت وترتبت لتكوين تلك الأحمـاض الامينية و النووية... و لكن هذا الترتيب والتنسيق لهذه المكونات والذرات لا يمكن أن يتأتى إلا بـإعجـاز خالق مبدع... فالأحمـاض النووية وهي تشكل وحدة بنـاء نواة الخلية التي تتمركز بداخل الخلية وتراقب عملهـا، لها عدد من الذرات الداخلة فى تركيبهـا يصل إلى ملايين الذرات بترتيـبـات محددة، ونواة الخلية التي لها هذا التركيب هي المسئولة عن متابعة قيام الخلية بوظـائفهـا وانقسامها وتعاملهـا مع المحيط الخارجي وتعاونهـا مع باقي الخلايـا المحيطة بهـا فى الجسم البشرى أو جسم أي كائن حي... وجميع الخلايا الحية على الأرض سواء كانت نباتية أو حيوانية تتمـاثل جميعهـا فى هذا الترتيب، و لو اختل هذا الترتيب بأي درجة مهمـا كانت ضآلتهـا لانهـار بناء الخلية و لمـا كانت لهـا القدرة على القيام بوظـائفهـا المتعددة... إذا كيف تقوم الصدفة بهذا الترتيب المعجز لهذه الذرات و بهذا النظام المبهر لجزيئاتها العملاقة لكي تؤدى كل هذه الوظائف... إن هذا التفسير الذي افترضه العلماء لإنكار يد الخـالق لوحد االذى دبر هذا التركيبي الثابت شيء بعيد عن كل عقل و كل منطق... و كذلك الأحماض الامينيه التي تشكل جسم الخلية وهي المسئولة عن تنفيذ مـا تحدده لهـا النواة من مهــام و القيام به على أتم وجه.... وللأحمـاض الامينية أيضا جزيئـات عملاقة تتكون من ملايين الذرات التي لهـا ترتيب خـاص و مبهـر و لو اختلفت فى ترتيب أي منهـا مـا كان لها أن تؤدى مـا لهـا من مهـام...وكل الخلايا الحية قد جـاءت بهذا التركيب ومن هذه الأحمـاض وكلهـا جميعـاً جـاءت من نفس مكونات المـاء كمـا أثبتت علومنـا... و لكن حكمة الخـالق جعلت كل خلية تختلف عمـا تؤديه أي خلية أخرى بحسب موقعهـا فى نبات أو حيوان أو حشرة أو طير أو فى أمعـاء أو فى سـاق وبحسب ما تختزنه نواتهـا من أسرار... ويطلق العلماء على مادة الخلية الحية اسم البروتوبلازم... و عنصري المـاء والماء نفسه هو المكون الرئيسي لهذه المادة كما جاء فى هذه الآية بهذا النص المعجز... فـإذا جف المـاء فى الخلية توقفت حياة هذه الخلية.

و إذا نظرنـا إلي الحب الذي يلقى فى الأرض بدون المـاء فلن تكتب له الحـياة أو الحركة، فـإذا ارتوت الأرض فإن هذه الحبوب تعود و تدب فيهـا الحياة والنمـاء والحركة والاخضرار بما تحصل عليه من المـاء، فنـجدهـا بهذا المـاء قادرة على أن تذيب ما فى الأرض من عنـاصر وأملاح فتمتص من الأرض مـا تمتصه لتكون به أحمـاضـا نووية و أمينية ينشأ بهـا خـلايـا أخرى، و تستمر الخلايـا فى التكاثر ويستمر النبات فى النمو و النمـاء... مـا هو سـر هذا المـاء الذي لا تستقيم الحياة يدونه، فمن هذا المـاء جاء خلق كل خلية... وبدون هذا الماء لن تكون للنبات حياة، وبدون النبات لن تكون للإنسان أو الحيوان أو أي شيء آخـر حـياة، و كل المخلوقات تسير على هذه السنة الثابتة.

هكذا تبلغنـا هذه الآية الكريمة أن كل النجوم و الكواكب و المجرات و مـا يملأ الكون من جـاء من نسيج واحد تفتق بأيدي خـالق واحد فكـان هذا التماثل والوحدة، و جـاء خلق كل الأحـياء على الأرض من مـاء واحد وبيد خـالق واحد فكان هذا التماثل و الوحدة، ألا يدل هذا على وحدانية خـالق هذا الرتق وهذا الماء الذي جعلهمـا من أسراره... إن العلم قد وصل إلى وحدة نسيج هذا الكون... ثم عجز عن تفسير سـر هذه الوحدة فلجئوا إلى نظرية الانفجـار الكبير... و لو نظر هؤلاء العلمـاء إلى هذا الإعلان الذي جـاء منذ أربعة عشر قرنـا فى خـاتم رسـالات رب السماوات و الأرض لسلموا من هذا الـخـلط... ثم أن العلم وصل إلى أن المـاء هو مـادة الحياة. و لكن العلمـاء عجزوا عن معرفة كيف يمكن لهذا الجزيء الذي تتكون منه الماء هو من ذريتين صغيرتين أن يتحول إلى هذه الجزيئـات العملاقة التي تتكون منهـا الأحماض الامينية و النووية و البروتوبلازم و مكونات الخلية الحية، ثم كيف تتحول هذه الجمادات إلى شيء حي يتحرك و يتنفس و يتكاثر و يتكامل مع الخلايا الأخرى... لو كانت الصدفة هي المسئولة عن هذه الترتيبات و هذا أبعد شيء عن العقل، فمـا هي مادة الحياة... الرد هو التسليم بقول الحق أنه هو الذي جعل من المـاء مـا وهبه الحياة فأصبح حي...و قد جـاء إعلانه لخلقه عمـا حـاروا فى تفسيره بهذا النص المعجـز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه أو من خلفه... ... إنهـا قدرة الخـالق على كل شيء و إعجـازه فى كل شيء.. فمـا للكـافرين لا يؤمنون... و لهذه جـاء قول الحق بعد هذه الإثبـاتات... أفلا يــؤمـنـون.. نحن نؤمن و نسلم بخالقنا.. فـأمامنـا هذا الإعجـاز الذي فتح الله إليه قلوبنـا و أزال من عليهـا هذا الوقر الذي يصيب قلوب و آذان و أبصـار الكافرين... و ندعو الله لهم بالهداية إلى هذا النور الذي أرسله سبحـانه ليكون لنـا نورا يهدى إلى الحق و إلى صراط الله المستقيم.

لقد اختص الخـالق هذه الأرض بـرحمته حتى تحتضن الحياة والأحياء عليهـا، والآيـات التـالية تذكرنـا بهذه الرحمـة الإلهية، و لكي نتعرف على مظــاهر هذه لرحمة لا بد لنـا من إطلالة قصيرة على الكواكب الأخرى فى مجمـوعتنـا الشمسية كي نرى لم عجزت هذه الكواكب عن احتضـان أي نوع من أنواع الحياة عليهـا.

نبدأ بعطــارد، وهو أصغـر كوكب يدور حول الشمس و أقربهـا إليهـا، و كتلته أصغـر من كتلة الأرض و لهذا تقل قدرته على جذب الأشـيـاء إلى أقل من ربع الجـاذبية الأرضية ممـا يفقده القدرة على الاحتفـاظ بغلاف جوى مثل الغلاف الجوى للأرض، يحميه من القصف المباشر للنيازك، و لهذا نجد سطح هذا الكوكب مغطى بالبثور و الفوهات نتيجة الـصدام المباشر مع النيازك، كمـا تلعب مكونـات هذا الكوكب دورا أســاسيا فى سـرعة دورانه حول نفسه حيث أصـابته بالبطء الشديد فيصل اليوم فى عطـارد إلي 60 يومـا من أيـام الأرض، و لهذا ترتفع درجة حرارة سطحه المضيء إلى 400 درجة مئوية... و نتيجة هذا الارتفاع فى درجات الحرارة لا يوجد أثـر للمـاء على هذا الكوكب و كذلك أي أثر لحياة بجيولوجية من أي نوع، و من المشاهد أن هذا الكوكب غير متزن حيث أن سطحه غير مستقر و يهبط بصورة مستمرة مـمـا جعل التجـاعيد تغطى وجهه، و بالتالي فإنـه غير ممهـد لقيـام الحياة عليه بأي صورة.

ثم إذا انتقلنـا إلى كوكب الزهـرة، وهو كوكب من كواكب المجموعة الشمسية و يـساوى الأرض فى الكتلة و الحجم.. ولهذا نجد أن له جـاذبية تعادل جـاذبية الأرض مـمـا مكنته من الاحتفاظ بغـلاف جـوى... و لكننـا نجد أن سماء هذا الكوكب الذي احتفظ بهـا قد امتلأت بغـاز ثاني أكسيد الكربون مع سحب من حـامض الكبريتيك... و غـاز ثاني أكسيد لكربون غـاز ثـقيل و له قدرة عـالية على امتصـاص أشعة الشمس ممـا جعل جو هذا الكوكب جحيمـا لا يطـاق كمـا أن سحبه تسقط أمطـارا حمضية حولت سطح هذا الكوكب إلى كيان هش لا يحتمل السير عليه... ويصل طول اليوم الواحد فى الزهرة إلى 243 من أيـام الأرض نتيجة لاختلاف أبعاده و بعده عن الشمس، مما جعل درجة حرارة الوجه المضيء تصل إلى 450 درجة و الضغط الجوى فيه يصل إلى 90 ضعف الضغط لجوى على الأرض... و هكذا نجد هذا الكوكب بأرضه و سمـائه غير قـادرين على الاحتفاظ بالمـاء و من ثم بأي حياة بيولوجيه على سطحه.

ثم إذا نظرنـا إلى المريخ و هو أقرب كوكب إلى الأرض، فنجد أنه يدور حول نفسه مرة واحدة كل 24 سـاعة مثل الأرض، و لكن الغلاف الجوى الذي يحيط بالمريخ يتكون أسـاسـا من غـاز ثاني أكسيد الكربون عند ضغط منخفض جدا، و لأن المريخ أبعد عن الشمس من الأرض فنجد أن درجة الحرارة على سطحه تصل إلى الصفر فى أيام الصيف الشديد و تهبط إلى 123 درجة مئوية تحت الصفر فى أيام الشتاء.. و نتيجة لهذا الانخفاض فى درجات الحرارة على سطح المريخ، نجد أن المـاء المتجمع عليه فى حـالة جليد دائم، و لعـل هذا هو السبب فى اختفـاء أي أثـر للحياة على سطح المريخ.

و قد فشلت جميع الرحلات التي ذهبت إلى المريخ أو إلى أي كواكب أخرى من كواكب المجموعة الشمسية فى العثور على أي أثر للحياة على هذه الكواكب، فقد اختص خـالق الأرض بأسباب لم يهبها أو يهيئها سوى للأرض بحيث تكون لديهـا هذه القدرة على احتضان الحياة عليهـا، و هذا مـا تبينه الآيــات التالية، و نبدأ أولا بهذه للآية الكريمة: و جعلنـا فى الأرض رواسي أن تميد بهم فقد أرسى الخـالق فى هذه الأرض الكتلة و المكونات التي تنضبط بها قدرة الأرض على جذب الأشياء فوقهـا فتنضبط عليهـا حركة البشر و جميع المخلوقات فلا تميد بهم و لا تنهـار من تحتهم، و كذلك أدى استقرار القشـرة الأرضية إلى استقرار الغلاف الجوى و ضغطه الثابت و استقرار المـاء فى البحـار و الأنهـار و كذلك استقرت على الأرض حياة البشر، و جعل الخالق بهذه الرواسي مـا يرسى للأرض فلكـا ثـابتا حول الشمس و حول نفسهـا لا تحيد عنهما، بحيث تتزن سـرعـتهـا و بعدهـا عن الشمس فتنضبط عليهـا درجـات الحرارة و اتـزان حرارتهـا المفقودة أثناء الليل مع مـا تكتسبه من حرارة أثناء النهـار، وكذلك جعل للأرض بهذه الرواسي مجالا مغناطيسيا يحدد ميلا لمحور الأرض مع محور دورانها حول الشمس، فكـان للأرض بهذا الميل فصولا محددة كل عـام و مسارات للسحاب و الرياح و خرائط للأمطـار، ممـا أتاح للبشر الحياة المستقرة عليهـا.

إن من يتدبر هذه الكلمـات أن تميد بهم و التي تدل على أن الخـالق قد ضبط كتلة الأرض أو مـا أودعه الخـالق فى الأرض من رواسي بحيث لا تميد بهم فلا تتقلص القشرة الأرضية تحت أقدامهم كمـا يحدث فى عطـارد، و لا يطيرون من فوقهـا كما يحدث على القمر و لا يلتصقون بهـا كمـا يحدث فى المريخ، و تحفظ لهم غلافـا جويـا حاميا بالضغط المناسب، و تحقق لهم درجة الحرارة المناسبة لهم بحيث مكنهم من الحياة عليهـا، وقد تحددت بهذه الرواسي و تكوينهـا الذي لا يعلمـه إلا الله البعد المناسب عن الشمس و الميل المطلوب مع محور الشمس و السرعة المطلوبة حول الشمس و حول نفسهـا فلا يكون للأرض انحرافـات عن المعدلات المطلوبة لحياة الأحياء عليهـا، و مـا ذا يحدث لو لم تكن لهـا هذه الرواسي و مـادت الأرض عن فلكهـا و مسـارهـا حول الشمس بأدنى انحراف فزاد مثلا بعدهـا عن الشمس بأدنى مقدار، ستتجمد المياه والحياة كلهـا على الأرض لأن الطاقة الساقطة عليهـا تتغير بتغير مربع بعدهـا عن الشمـس، ومـاذا يحدث لو اقتربت بـقدر يسير من الشمس لا يتعدى مثلا 1 % من بعدهـا الحالي ، سيصل متوسط درجـات الحرارة على الأرض إلى مـا يزيد عن درجـة غليان المـاء ، أي عن 100 درجة مئوية وهذا الحد كـافيـا لتحول كل مياه البحار و المحيطات والأنهـار إلى بخـار أو سحب و تتوقف الحياة على الأرض ، وسيتغير أطوال الفصول ومقدار أيام لسنة الشمسية ممـا يؤدى إلى هلاك كل مـا نقوم بزراعته و نـتغذى عليه نحن و كل الأحياء ، و مـاذا يحدث أيضـا لو لم تكن فى الأرض رواسي بهذا القدر المحكم فتبـاطأت سرعة الأرض حول نفسهـا فيتكرر لنـا مـا يحدث على كوكب الزهرة ، فتزيد درجة حرارة الوجه المضيء و تفقد البحار ميـاهها على هذا الوجه ، و تتجمد المياه فى البحـار على الوجه المعتم و تتوقف الحياة عليه ، و كذلك يلتصق الأحياء على الأرض كمـا يحدث على هذا الكوكب ، و بنفس هذه التأثيرات لو زادت سرعة دوران الأرض حول محورهـا ، فـينخفض متوسط درجـات الحرارة على الوجهين و نطير من على سطح لأرض كمـا يحدث فى القمـر ، و لا يبقى لنا غلاف جوى مثل عطارد ، هكذا جـاءت حكمة الخـالق و علمـه فى تحديد الرواسي التي يتحدد بهـا كل شيء فترسو حياتنـا و نرسو على هذا الكوكب الذي أعده الخـالق ليحتضننـا عليه بكل الرحمة ، فكانت للأرض هذه الرواسي حتى لا تميد بنـا كما جاء فى قول الحق و جعلنـا فى الأرض رواسي أن تميد بـهم إن الحرف أن جـاء إعلانـا بأن الخـالق أحكم كل شيء فى هذا الكون فدبر رواسي الأرض بهذا التقدير الحكيم و بهذا العلم الدقيق حتى يكون للأرض مـا لهـا من استقرار و رسو دون أي انحراف أو تجـاوز فتكون مرسى لهذا الكائن الذي مهد خالفه كل شيء من أجله .

ثم تستكمل الآية الكريمة فى فضل الله علينـا فى هذه الأرض التي يسرهـا لنـا بقوله سبحانه و جعلنـا فيهــا فجــاجــا سـبلا إن من يذهب إلى القمـر و لا يجد عليه سـوى فوهـات أو على عطـارد فلا يجد عليه سـوى التجـاعيد أو إلى الزهرة فلا يجد إلا تربة هـشة لا يستطيع السير عليهـا، سيستشعر نعمـة الله علينـا فى هذه الفجـاج التي يسرهـا الله لنـا على الأرض كي نحيـا و نسير عليهـا و تيسـر لنـا سـبل الزراعة و التجـارة و الصنـاعة و الترحـال و الانتقال بسهولة و يسـر، فقد امتدت القشرة الأرضية فى تمـاسـك و صـلابة و استواء و امتداد... فاتسعت رقعتهـا للغـابـات و الوديان و الطرق و الأنهـار و البحـار القرى و المدن و كل مـا يبغيه البشر من سبل لحياتهم و متاعهم و رزقهم و أنعامهم و عرباتهم و طـائراتهم ، لقد يسـر الله هذه الفجـاج ليهتدوا إلى سبل الرزق و الحياة و التعارف ثم يهتدون إلى خـالقهم و مانحهم هذه النعم و موفر لهم هذه الأرض بانبسـاطهـا و امتدادهـا و طرقهـا ، و هكذا كان ختام هذه الآية بهذه الكلمـات لعلهم يهتدون... أليس فى هذه السبل و الفجاج هداية إلى معرفة فضل الله علينا و هداية إلى الحياة على الأرض و الانتفاع بخبراتها.

ثم تأتى الآية التـالية لتذكرنـا بفضل الخـالق فى أن يخصنا بسمـاء تحفظنـا من فوقنـا برحمته، فنرى فضل الله فى خلقهـا لنـا بهذه الكيفية من يستعرض الكواكب من حولنـا فلا يرى لها سمـاءا حافظة و محفوظة مثل سماء الأرض، فبها غـلاف جـوى يحمينـا من أشعة الشمس الضـارة، فيسمح هذا الغلاف بمرور مـا ينـفـعـنـا من هذه الأشعة و يحتجز مــا يضرنـا بطبقة تسمى طبقة الأوزون، ثم اختص هذا الغلاف بنسبة عـالية من غازي الأكسيجين و النيتروجين، و كلاهمـا لا يمتصـان أشعة الشمس فتنفذ الأشعة النافعة من خلالهمـا لتصل أشعة الشمس إلى النبات ليختزن الطـاقة اللازمة له و لمن حوله، ثم أن وجود هذه النسبة من الأكسيجين فى الهواء الجوى تحرق أي نيازك قبل أن تصل إلى الأرض فلا ترى هذه الفوهـات و البثور على أرضهـا مثل باقي الكوكب التي لم يخصها الله برحمته، و فى الهواء نسبة ضئيلة من غـاز ثاني أكـسيد الكربون القـادر على امتصاص أشعة الشمس لا تتعدى جزء من الواحد بالمـائة كي يتغذى عليها النبات، و لكن لو زادت لحدث لنـا مثل ما يحدث على كوكب الزهرة الذي يـسـتحيل الحياة عليه، و قد حفظه الخالق لنا بهذا الثبات حتى نتمكن من الحياة على الأرض إلى أن يشـاء الله، ثم نجد أن غـاز الأكسيجين يؤدى أدوارا عديدة أخرى فى حياتنـا حيث يحترق به الغذاء فى أجسامنـا و النار من حولنا، و كذلك غـاز النيتروجين و مـا يؤديه فى حياة النبات الذي يتغذى عليه

كل هذه الأدوار تؤديهـا سمـاءً حفظهـا الخالق لنـا و حفظنـا بهـا كسقف يمنع عنـا أن يصيبنـا من فوقنـا مـا يصيب كواكب أخرى حولنــا و يتيح لنـا الحياة عليهـا دون أن نحترق أو نختنق ، هل جـاءت سماء أرضنـا كمـا قال خـالقهـا سقفـا محفوظا بكل هذه الخصوصيات و الآيـات بدون تدبير أو تنظيم أو تقدير خـالق عـزيز عليم ... كيف نعرض عن كل هذه الآيـات و لا نتدبرها حق التدبر... هكذا يعاتبنـا الخـالق بقوله سبحانه و هم عن آيـاتهـا معرضون فالسمـاء كلهـا آيـات على عظمة خـالقهـا و رحمته و عزته و علمه.. علينـا أن نتدبر بهـا بهذا الاستدلال المعجز الذي أرسله الخـالق إلينا فى خـاتم كتبه.. و هل يستطيع بشرا أن يضع لفظـا جـامعـا يصف هذه السمـاء و مـا تؤديه من أدوار فى حياتنـا كسقف حـافظ و محفوظ لنـا و لأرضنـا بأبدع و أروع من هذه الكلمـات... إنهـا كلمـات جاءت حقا من خالق الأرض و السمـاء.

ثم تأتى الآية التالية التي تذكرنـا بـفضل الله و آيـاته فى هذه الأشياء التي من حولنـا.. فى الليل و النهـار.. الشمس و القمــر... كيف انتظمـت و توافقت مع حياتنا و خلقنا و عملنا و راحتنا و دورات حياتنا و أعمـارنـا و انتظم بهم كل شيء من حولنا.. الحياة المستقرة و العمل نهارا و النوم ليلا ومـا يناسب أجسامنا من درجـات الحرارة و ضغط الهواء.. نحن لا نستطيع أن نحيا على كوكب الزهرة الذي يصل طول اليوم فيه إلى 243 مثيله على الأرض فتصل درجة الحرارة على سطحه إلى مئات الدرجات .. إنه لا يتوافق مع حياتنـا و مع تكويننـا و مع خلقنـا... فمن سخر كل هذه الأشياء لنـا... من سخر كل هذا التوافق و الانسجام بيننا و بين كل هذه الأفلاك... من دبر للأرض و خلقهـا تدور حول نفسهـا بهذه السرعة الثابتة أمام الشمس ليأتي الليل و النهـار منسجمـا مع بعد الأرض عن الشمس و راحة الإنسان و حرارته و حياته و سعيه... من سخر الأرض تدور حول الشمس بهذا الخضوع و هذا الثبات فيأتي هذا التعاقب للفصول بهذا الإبداع و الالتزام فى كل أنحاء الأرض ومع مـائهـا و هوائهـا و رمـالهـا و سحابهـا و كل شيء عليـهـا... من سخر للقمر دورته حول الأرض و أمام الشمس فيأتي هلالا و بدرا و تتعاقب أشكاله بهذا الإبداع و الانسجام مع كل مـا خلق الله على الأرض... أنهم جميعـا يسبحون لخـالقهم بهذا الالتزام و هذه الطـاعة المتنـاهية و المتمثلة فى هذا الانسجام الشامل و الكـامل.

لقد أعلن العلمـاء أنه حتى نرى كوكبـا آخر يمكن أن تقوم حياة عليه فى هذا الكون فيجب أن تكون له كتلة مثل كتلة الأرض و حجمـا مثل حجم الأرض و قمرا مثل قمر الأرض و له زاوية ميل و سرعة دوران حول نفسه و حول شمسه مثل مـا للأرض و أن تكون له شمسا مثل شمسنا عمرا و حجما و كتلة و إشعاعا و أبعادا و ثباتـا.. وأن يكون لهم جميعا نفس الأفلاك و الظروف و المقادير... و هذايسبح كل شئ بنفس هذه التسبيحات و فى نفس هذه الأفلاك.. و هذا مـا تنص عليه هذه الآية فى نهايتهـا كل في فلك يسبحون .. فإنهـا سبـاحة وتسبيح بعلم خـالق عزيز وعليم وقدير ومقدر لكل شيء بحكمته.. فهـل لنا أن نسبح معهم.

الشكل التالي يبين كواكب المجموعة الشمسية بحسب بعدها عن الشمس

كمـا رأينـا أن يد الخـالق هي التي بدأت هذا لكون، و كيف أيقن العلمـاء بهـا بعد أن تداعت نظرياتهم فى الانفجـار الكبير و اعترفوا أن من ينظـر إلى الكون يشعـر أن هناك يد خـالق واحد نسقت كل هذا الكون فجـاء كله وحدة واحدة أوله مثل آخره، و أعلن الخـالق عن أن يده هي اليد العليـا فى هذا الكون المنتظم فى خاتم كتبه بآيات يعجز البشـر عن أن يأتــوا بمثلهــا، و لكن نرى أن هؤلاء العلمـاء يتخبطون مرة ثانية و هم يحـاولون أن يعرفوا كيف ينتهي هذا الكون دون اللجوء إلى الله... فقد أثبتت نظـريـاتهم بأنه أي الكون يتمدد و يتسع دائمـا.. و قد أشـار الحق فى خـاتم كتبه إلى هذه الحقيقة الجـامعة بقوله سبحـانه و السمـاء بنينـاهـا بأيد و إنــا لموسعون ( الآية 47 من سورة الذاريات ) ... هكذا تفسر الآية أن هذا التوحد و التماثل و التشابه فى بناء هذا الكون قد جـاء لأن يدا واحدة كان لهـا مـطلق الخلق و التشكيل فيه.. يدا تعلن عن نفسهـا و لا أحد غيرها يتطـاول أن يدعى سوى هذا... و تأتى هذه الآية أيضـا لنـقـر بالحقيقة الأخرى التي اكتشفهـا العلمـاء أن إرادته وحده هي التي جعلت هذا الكون يتسع و يتمدد دائمـا، و يتم هذا التوسع بنفس الانتظام و على نفس السنة منذ أن بدأ خلق المكان و الزمـان منذ أن شـاء الله فتق الرتق الأول حتى يومنـا هذا... و يأتي سـؤال آخــر من العلم و العلمــاء... إلى متى يستمر فتق هذا الرتق الذي بدأ منه الخلق فى التمدد و التوسع... إذا كان هذا الرتق محدودا فهو لن يستمـر فى التمدد و التوسع إلى الأبد.. و لكن سوف تأتى لحظـة معينة بحسب نظريات العلماء سيبلغ فيها المكان و الزمان نهايتهما... و سوف تـعود المـادة التي ملأت هذا الكون فتتجمع مرة أخرى و يتساقط الكون فى حدث أطلقوا عليه اسم الانسحاق العظيم و هو اسم مرادف للاسم الذي أطلقوه على بداية الكون بالانفجار العظيم... حيث سينسحق هذا الكون كمـا تسحق النجوم التي ملأت الكون عن آخره فتتحول إلى ثقوب سوداء.

و يبقى السؤال الذي لا رد له إلا الإيمان بخالق هذا الكون وباعثه.. متى تأتى هذه اللحظة.. و مـاذا يحدث بعدهـا.. و هل ستكون هناك دورة جديدة يتجدد فيهـا المكان و الزمان مرة أخرى... و من له اليد العليا فى تحديد هذه اللحظة.. هل هي المـادة ذاتهـا التي تقوم بهذا الحدث من تلقـاء نفسهـا ودون أي إرادة أعلى.

إنـنـا و نحن نواجه أقوال العلمـاء و هم يذكرون هذا الحديث نشعر بأنـنـا أمام افتراضات عقلانية و غير قادرة على إقامة الدليل على شيء محدد فلم يرى أحد كيف بدأ الخلق و كيف ستكون نهايته...و لكننا سنحاول بالقدر الذي أتاحه الله لنـا من العلم و هذا النور الذي بين أيدنـا أن نتدبر فى خلق الله... فالكون له بداية كمـا أثبت العلم و العلمـاء و أقـر الخـالق هذه الحقيقة فى قرآنه .. و كل شيء له بداية بهذا الإبداع و الانسجام و الانتظام لا بد أن له مبدأ.. و هذا مـا أقره الخـالق و أعلن أنه هو المبدأ فى قرآنه.. وكل شيء له بداية أيضـا فإن لـه نهـاية.. وهذا مـا أثبته العلمـاء أيضـا بنظريتاهم و أسـانيدهم... و لكن لن يستطيع أن يصف تلك اللحظـات الأخيرة لهذا الكون سوى خـالق الكون و مسيره.. فهو مبدأ الكون و العالم و المقدر و القادر و العالم بنهـايته وكيف ينهيه.. هو الموجود من قبل و من بعد و له اليد فى كل شيء... و لكننا نوقن بما يسره الله لنا من علمه أنه لا بد أن يعود هذا الكون مرة أخرى بشكل لا يـعلمه إلا خـالقه و مبدؤه... و كل مـا توصلنـا إليه هو محض فروض بنيت على المنطق العلمي و مـا اكتشفه العلمـاء من توسع الكون بالقياسات العلمية و عبرت عنهـا كلمـات شــاذة مثل الانفجار العظيم و الانسحاق العظيم لا يستطيع أحد إدراكها أو يتخيل حدوثهـا لو كان له ذرة من العقل و المنطق و البصيرة، و لكن معرفة هذا لن تتأتى دون الإيمان بالله خالق الكون و مبدعه و القائم على أمره و القادر عليه.

تعالوا نترك الآن أقوال العلمـاء و نقف أمام قول الحق فى نهاية نفس السورة التي عبرت فى أولهـا عن بداية الخلق، حيث تحدثنـا عن يوم القيامة، اليوم الذي قدره الخالق لنهـاية حياتنـا الأرضية و بداية حياة أخرى لا يعلمهـا إلا هو: يوم نطوى السماء كطي السجل للكتاب، كما بدأنا أول خلق نعيده، وعدا علينـا إنـا كنـا فـاعلين أي أن السمـاء كانت مطوية فى هذا الرتق الذي عبرت عنه الآيات الأولى فى السـورة، ثم إذا جـاء أمره فى نهـاية الحياة الدنيـا سوف تعود و تطوى بقدرته مرة أخرى... لتعود سيرتهـا الأولى.. ثم مـا ذا يكون بعد ذلك هذا علمــه وحده.

هكذا يكون تعبير الخالق عن خلقه.. كلمـات ذات معنى يفهمهـا المرء دون صخب أو تعب أو ضجر أو ملل.. فليس انسحاق عظيم.. و لكن طي بيد الخالق الذي فتق أو أفرد صفحـات هـذه المادة التي ملأت الكون برحمته و علمه و فضله...و انسحاق مادة الكون لا يدل على انقباض المكان... و لكن الطي يحوى انحسار المكان و الزمان و الكون كله... و الانسحاق معناه التحول إلى العدم.. و لكن الطي معناه إعـادة الشيء إلى أصله و بدايته... و الانسحاق معناه الغوغائية و أللانتظام ... ولكن الطي معناه الحكمة و الـتمهل و النظام... والانسحاق معناه أن المادة هي المسيطرة و تنسحق وقتمـا تشاء... ولكن الطي يبيد الخالق الذي جـاءت البداية بيديه و كما بدأ أول خلق يعيده كما تذكر الآيات...والانسحاق معناه اللاعودة أو النهاية لكل شيء... و لكن الطى معناه نهـاية مرحلة و بداية أخرى... هل يستطيع عـالم مهمـا بلغ علمـه أن يأتي بكل هذه المعاني فى كلمـات محدودة أوعت كل شيء.. و هل يستطيع عـالم أن يقرر هذه الحقائق بهذه القدرة و الطلاقة و البيان.. إننـا حقـا أمام أنوار الحق تضيء لنـا الحقائق التي تخرجنا من الظالمات إلى النور.. ظلمـات المـادية التي تصور المـادة على أن لهـا القدرة على أن تنفجر وقتمـا تشاء و تنسحق وقتمـا تشـاء.. و تصورنـا ألعوبة فى يد مـادة بلا عقل أو تفكير فتقوم بنفسهـا بانفجـار كبير فتنشأ كونـا متسعـا و متوسعـا منتظما و منسقا، أو تنتهي و تتحول بدون مقدمـات من تلقاء نفسهـا بانسحاق عظيم فينتهي الكون كله بمكانه و زمانه.. هل يقبل العقل مـا يقوله المـاديون بهذه المسميات المادية الغير متعقله أم يقبل هذه الآيات من خالق السماء و الأرض... (يوم نطوى السماء كطي السجل للكتاب كمـا بدأنـا أول خلق نعيده وعدا علينـا إنـا كنـا فاعلين)... صدق الله العظيم

لقد أثبت العلم أن من كانوا ينادون بأن المـادة هي أصل كل شيء بدعوى قـانون بقـاء المـادة قد وقعوا فى وهم شديد.. فالمـادة ليست بـاقية كما أعتقد هؤلاء بعد إثبات أن المـادة تتحول إلى طـاقة و الطـاقة أيضـا ليست باقية كمـا ظن الناس قديمـا.. فهي تهبط من الدرجة الأعلى إلى الأدنى و لا تعود مرة أخرى... و هكذا أتضح أن المـادة لهـا نهـاية و أن المـادية وهم فى وهم.. و لهذا انهـارت المـادية فى العـالم أسـسـا و تطبيقـا و فلسفة.. و انهـارت معهـا الشيوعية و كل أدع يائها ... وأعلن أهلهـا أنهـا كانت أسوأ مـا عرفته البشرية من نظريات أو فلسفات ... فليس للمـادة من إرادة.. و لكن إرادة الخالق هي التي فتقت المـادة فى البداية لتنتشر فى الكون الآخذ فى التوسع و تطـويهـا فى النهـاية لتعود كمـا أراد لهـا خـالقهـا، و لا مناص لنـا من لاعتراف بقدرته و العودة إليه فى تفسير كيف بدء الخلق ثم كيف ينتهي.. فلم نشهد و لم يشهد أحد على الأرض هذه اللحظة، حيث يقول الحق ما أشهدتهم خلق السماوات و الأرض و لا خلق أنفسهم ( الكهف 51 ) لهذا فلا بد لنـا أيضـا من الاعتراف أنه بعد نهـاية الكون فسوف ينبعث مرة أخرى ليعود كمـا يريد له خالقه و ومبدؤه ثم معيده.. و لهذا نجد أن هذه المعاني قد جاءت فى كتاب الله العزيز عدة مرات ( الله الذي يبدأ الخلق ثم يعيده ) [الروم 11 ]، (أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير) [العنكبوت: 19] لنفطن إلى هذه الحقيقة التي لم نراها عند بدء الخلق أو لا نعرفهـا لأن الكون لم ينتهي بعد ... و لكن الخالق يضعهـا أمـامنـا حتى لا نضل ونشقى... فبأي حديث بعده يؤمنون صدق الله العظيم

مكن المراسلة على البريد التالي:

salama_abdelhady@hotmail.com

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites